لا يأتي رمضان ليضيف عبادة إلى جدول المسلم فحسب، بل ليُعيد ترتيب المفاهيم الكبرى التي اعتادها الإنسان، وفي مقدمتها مفهومَا الغنى والفقر.
ففي شهرٍ تُعلَّق فيه الشهوات، ويُدرَّب فيه الجسد على الاكتفاء، تنكشف هشاشة المعايير المادية التي طالما قاس بها الناس بعضهم بعضًا، ويظهر ميزان آخر أكثر عمقًا وإنسانية.
الغنى.. ما ليس في اليد
اعتاد العالم الحديث أن يربط الغنى بما يُمتلك: مال، ممتلكات، نفوذ، قدرة على الاستهلاك.
لكن رمضان يأتي ليهزّ هذا التصور من جذوره.
فالصائم، مهما اتسع رزقه، يقف عند لحظة واحدة متجردًا من امتيازاته، ينتظر أذان المغرب كما ينتظره الفقير، ويشعر بالجوع ذاته، والعطش ذاته.
في تلك الساعات، يتساوى الناس في الحاجة، ويُختبر معنى الغنى الحقيقي:
هل هو وفرة الطعام، أم القدرة على الصبر؟
هل هو الامتلاء، أم الطمأنينة؟
هل هو التملك، أم الرضا؟
رمضان يجيب بهدوء: الغنى ليس فيما تملك، بل فيما لا تحتاج إليه.
الفقر.. ما ليس في الجيب
كما يُعيد رمضان تعريف الغنى، فإنه يُنقّي مفهوم الفقر من اختزاله في قلة المال. فالفقر في جوهره ليس فقط نقص الموارد، بل غياب الأمان، وافتقاد الكرامة، وشعور دائم بالحاجة.
حين يجوع الصائم بإرادته، يقترب خطوة من فهم الفقير الذي يجوع قسرًا وحين يؤجل رغبته، يلمس طرفًا من معاناة من لا يملك خيار التأجيل. هنا يتحول الصيام من عبادة فردية إلى تجربة معرفية وأخلاقية، تُعيد تشكيل نظرتنا للآخر.
ليس كل فقير محتاجًا إلى مال، كما أن ليس كل غني في غنى عن الرحمة.
الصيام كفعل فلسفي
في عمقه، الصيام ليس امتناعًا، بل سؤالًا مفتوحًا:
ماذا نحتاج فعلًا؟
وما الذي يمكن الاستغناء عنه؟
هذا السؤال لا يُطرح في الكتب، بل يُعاش يوميًا على مائدة الإفطار.
فحين يتبيّن للصائم أنه قادر على العيش بأقل مما اعتاد، تتراجع سلطة الاستهلاك، ويتقلص وهم الضرورة، ويظهر جوهر الإنسان بعيدًا عن زخرف العادة.
رمضان، بهذا المعنى، ممارسة فلسفية صامتة، تُدرّب الإنسان على التحرر من فائض الرغبات، وتُعيده إلى بساطة الفطرة.
الزكاة والصدقة: إعادة توزيع المعنى
لا يكتفي رمضان بإعادة تعريف الغنى والفقر نظريًا، بل يترجمهما إلى أفعال.
فالزكاة، والصدقة، وإفطار الصائم، ليست أعمال إحسان عابرة، بل إعادة توزيع للثروة والمعنى معًا.
حين يُخرج الغني زكاته، لا ينقص ماله بقدر ما يتحرر قلبه من التعلق وحين تصل الصدقة إلى الفقير، لا تُشبع جوعه فقط، بل تُرمم كرامته، وتؤكد له أنه ليس منسيًا في هذا العالم.
في هذا التبادل، يتعلّم الطرفان درسًا واحدًا:
أن المال وسيلة، لا غاية،
وأن الإنسان أغلى من كل ما يُمتلك.
ميزان القيم في ليالي رمضان
في ليالي رمضان، حيث يخفّ الضجيج، وتتقارب القلوب، يتضح أن المجتمع الذي يصوم معًا، يفكر معًا، ويتألم معًا، يعيد بناء نفسه على أسس مختلفة.
لا يعود التفاضل قائمًا على الحسابات البنكية، بل على القرب من الله، ونقاء القلب، وخدمة الناس.
هنا يصبح الغني هو القادر على العطاء، لا على الادخار.
ويصبح الفقير هو من حُرم المعنى، لا من قلّ المال.
ما بعد رمضان
الخطر الحقيقي أن تنتهي هذه المعاني بانتهاء الشهر. فالغنى الذي لا يُراجع، يعود إلى غفلته، والفقر الذي لا يُفهم، يعود إلى التهميش. أما من أدرك رسالة رمضان، فإنه يخرج منه بمعيار جديد يرى به العالم: معيار الرحمة، والعدل، والمسؤولية المشتركة.
خاتمة
حين يُعيد رمضان تعريف الغنى والفقر، فإنه لا يفعل ذلك ليقلب الموازين مؤقتًا، بل ليُذكّر الإنسان بحقيقته الأولى: كائن محتاج، مهما امتلك، وغني، مهما افتقر، إذا امتلأ قلبه بالإيمان.
وفي عالمٍ تتسع فيه الفجوات، يبقى رمضان نداءً سنويًا هادئًا، يقول للناس:
ليس الغنى أن تملك أكثر،
ولا الفقر أن تملك أقل،
بل أن تعرف ما الذي يستحق أن تملكه حقًا.